عبد الملك الجويني
119
نهاية المطلب في دراية المذهب
فلا نُلزمه شيئاً باطناً لذلك الثالث ، كما لا يلزمه ظاهراً . وإن كان على بصيرةٍ في إقراره ، وقد يستندُ إقرارُه على مشاهدة لا يُمكنُ التماري فيها ، وذلك إذا ماتت امرأةٌ وخلّفت ابنين ، وكان شاهَدَ أحدُهما ولداً ثالثاً انفصل منها . قال : إذا كان كذلك ، فهل يلزمه أن يدفع ممَّا في يده شيئاً إلى المقَر له ؟ فعلى وجهين : أحدهما - لا يلزمه ؛ إذ لو لزمه باطناً ، للزمه ظاهراً ؛ فإنه بإقراره أظهر ما قدرنا ثبوته باطناً ، وهو من أهل الإقرار والإظهار . والثاني - يلزمه في الباطن ؛ لأن الطّلبة في الظاهِر تتعلق بثبوت النسب ولم يثبت ظاهراً ، ولكنه ثابتٌ في علم الله تعالى ، فإذا لم يجر ما يقتضي في الظاهر ثبوت النسب ، فلا طلب ظاهراً . وإذا تحققه المرءُ باطناً ، لزمه أن يشركه باطناً ، لعلة الباطن ، لا لقوله الظاهر . هذه طريقة . والطريقة الثانية - أنه حكى خلافاً ظاهراً في أنه هل يجب على المقر تشريك المقَر له ظاهراً ؟ فعلى وجهين : أحدهما - وهو الذي يوافقُ النصَّ ، أنه لا يجب . والثاني - يجب ، وهو مذهبُ أبي حنيفة ( 1 ) ؛ يؤاخذ به ظاهراً وحكم الباطن منوطٌ بالتحقيق والثبوت في علم الله تعالى . وهذا قد يُعزَى إلى ابن سُريج ، وهو مخالفٌ للنصّ . فإن قلنا : لا يشارك المقَرّ له المقِر أصلاً ، وهو ظاهر المذهب ، فلا كلام . وإن قلنا : يشارك المقَر له المقِر ، ففي مداره وجهان : ذكرناهما . والوجهان يوافقان مذهبين لإمامين : أحدُهما - ابنُ أبي ليلى والثاني أبو حنيفة . ونحن نذكر مذهب كل واحدٍ منهما في المقدار الذي يستحقُّه الثالث المقَر به مما في يد المقر ، وإذا بان المذهبان ، فهما الوجهان المنسوبان إلى أصحابنا . 4478 - أما مذهبُ ابن أبي ليلى ، فليقع الفرض في ابنين أقر أحدهما بابنٍ ثالثٍ ، وأنكر الثاني ، فيقول ابن أبي ليلى : يغرَم المقر للمقر له ما كان يغرمه ، لو ( 2 ) أقر صاحبه بهِ . وبيان ذلك : أن الابنين لو أقرا بثالثٍ ، وتصادقا ، لكان ذلك الثالث مستحقَّ ثلثِ التركة ، فتصور ابنين يقتسمان التركة ثم يبدو ابنٌ ثالثٌ ، ويثبت نسبه ببينةٍ ،
--> ( 1 ) ر . البدائع : 7 / 230 . ( 2 ) في الأصل : ولو .